في زمن أصبح فيه “notification” على الهواتف الذكية هو الذي يوجّه بوصلة الحياة اليومية ويزاحم عقول الشباب في متابعة القضايا الكبرى والجادة، أصبح الوصول إلى عقول الشباب مهمة أكثر صعوبة من أي وقت مضى. فعلى الرغم من أن المعلومات أصبحت متوفرة بكثافة إلا أن وصولها أصبح غير مضمون.
الواقع يقول أن شباب اليوم يختلفون عن شباب الأجيال السابقة، بحكم تغير الحياة ووسائلها وأدواتها وأحد أهم سمات تغير الحياة هي أنهم أصبح أغلبهم لا يقبلون أو يتأثرون أو يتفاعلون إلا بما هو بصري وما هو سريع الإيقاع؛ فيديوهات قصيرة، بودكاست حواري، وإنفوغرافيك يختصر قصة سياسية في 30 ثانية… وأصبح القائمون على الإعلام أمام هذا الواقع الجديد مجبرين على أن يتعاملوا معه حتى يحققوا النجاح والتأثير، مع الاحتفاظ بمستوى عال من الدقة والمصداقية.
وعندما نتحدث عن الوعي السياسي من المهم أن ندرك أنه ليس مجرد حفظ لمواد الدستور أو معرفة لأسماء الوزراء والمسؤولين، أو متابعة الأخبار السياسية والأحداث العالمية بل هو القدرة على فهم كيف ينعكس القرار السياسي على تقدم الدولة وأمن المجتمع ورفاهية المواطن، فالإعلام الناجح هو الذي يربط بين الفهم السياسي المجرد وواقع ومستقبل البلد والإنسان الذي يعيش على تلك الأرض ودوره في مواصلة مسيرة البناء والتقدم والحفاظ على المكتسبات.
وعندما نتحدث عن الوعي السياسي فإننا نتحدث عن ضرورة إدراك الشباب للتحديات والأخطار التي تواجه دولهم ومجتمعاتهم وفي منطقة مثل التي نعيش فيها تتزاحم الأفكار المختلفة والمتضاربة فبين أفكار البناء والتنمية والتسامح والتطور المتأصلة في أغلب دول المنطقة تبرز الأفكار المتطرفة، وتتسلل الأفكار الإرهابية في زوايا بعض دول المنطقة، لذا أصبح الوعي السياسي مهمًا ويتطلب من الشباب إدراك كل هذه التحديات الخطيرة لمواجهتها ومقاومتها ومنعها من الانتشار في بلدانهم وبين أفراد مجتمعهم وخصوصًا بين الصغار منهم.
وفي هذا الإطار يجب أن نؤكد أن بناء الوعي السياسي ليس مهمة الإعلام وحده، بل شراكة بين المؤسسات الإعلامية، ووزارات الثقافة والتعليم، والمجالس النيابية، وحتى المؤثرين على منصات التواصل.
تعتبر تجربة دولة الإمارات في تمكين المواطنين من المشاركة السياسية نموذجًا متطورًا وملهمًا للكثيرين وكلمة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة "حفظه الله" في اليوم الدولي للشباب 12 أغسطس 2025 تؤكد هذا الاهتمام حيث قال سموه:
“في اليوم الدولي للشباب، نحتفي بطموح وإنجازات الشباب في تعزيز مستقبل أفضل للجميع، ونعبر عن تقديرنا لدورهم المحوري في نهضة المجتمعات وازدهارها. ونؤكد مواصلة تمكينهم وتأهيلهم لقيادة مسيرة التنمية وبناء المستقبل الأفضل لوطننا".
وعلى مثل هذه الكلمات والقناعات قامت الإمارات وحرصت القيادة على تطبيقها على أرض الواقع وبشكل مميز قبل أن تتحدث بها، والأرقام تؤكد ذلك، فالشباب الذين يشكلون نحو 50% من السكان في الفئة العمرية بين 15 و35 عامًا تم تعزيز مشاركتهم في جميع المجالات، وأنشأت الدولة وزارة مخصصة للشباب وهيأت الأنظمة التي تضمن تواجدهم المؤثر في صنع القرار ففي عام 2016، تم إنشاء منصب وزير الدولة لشؤون الشباب، وكانت شما بنت سهيل المزروعي أول من شغل المنصب بعمر 22 عامًا، وكانت أصغر وزير عالميًا حينها ، وفي 2024، تولّى هذا المنصب د.سلطان النيادي، رائد الفضاء الإماراتي، ليعكس حضور الشباب في المسؤوليات الوطنية.
على الصعيد المجتمعي، تم تأسيس أكثر من 160 مجلس شباب وزاري، بالإضافة إلى 17 مجلس شباب اتحادي و111 مجلساً محليًا، مما يعزز مشاركة الشباب في صياغة سياسات المستقبل.
وفي الحياة البرلمانية أسهم الشباب بنسبة 37.5% من أعضاء المجلس الوطني الاتحادي في فصله التشريعي السابع عشر، بالإضافة إلى مبادرات وزارة شؤون المجلس الوطني الاتحادي، ومنها نشرة “التمكين” الإلكترونية، التي تفتح نافذة معرفية للشباب وتربطهم مباشرة بالحياة البرلمانية.
أخيرًا نؤكد أن المجتمع الواعي سياسيًا لا يُبنى بالنصوص فقط، بل بالعمل والإنجاز، واستكمال مسيرة البناء والتنمية بالسير على نهج القيادة ونهج المؤسسين لهذه الدولة وعلى الإعلام أن يجعل الوعي السياسي والمشاركة شعورًا بالمسؤولية لا مجرد خيار ولا مجرد شعارات يتم ترديدها دون عمل.
بقلم / سعادة محمد الحمادي
المدير العام لوكالة أنباء الإمارات "سابقًا"