(مرحلة ما بعد الاستقلال)
خطت الكويت في عام 1961م -بعد أن أصبحت دولة مستقلة ذات سيادة كاملة- خطوات واسعة نحو التحول إلى إقامة حياة دستورية ونيابية جديدة. حيث تم وضع دستور دائم للبلاد يؤسس لحياة نيابية متطورة تقوم على أسس متينة، وما تلاه من إنشاء مجلس تشريعي (مجلس الأمة) ليكون المعبر عن الإرادة الشعبية.
وسنتناول –تباعاً- خطوات تحول دولة الكويت نحو حياة دستورية ونيابية متطورة من خلال محورين:
أولاً: مرحلة التحول نحو إقامة حياة دستورية متطورة (صدور الدستور الدائم):
بدأت عملية التحول نحو إقامة حياة دستورية متطورة في دولة الكويت بوضع دستور دائم للبلاد. حيث تم تدشين عملية التحول بإصدار القانون رقم (1) لسنة 1962م الخاص بالنظام الأساس للحكم في فترة الانتقال من الإمارة إلى الدولة. والذي كان بمثابة دستور مؤقت تم تطبيقه خلال فترة الانتقال لحين صدور الدستور الدائم.
وقد قضت المادة الأولى من المرسوم بأن يقوم المجلس التأسيسي بإعداد دستور يبين نظام الحكم على أساس المبادئ الديمقراطية المستوحاة من واقع الكويت وأهدافها. كما تضمن المرسوم الدعوة إلى إجراء انتخابات عامة لاختيار أعضاء المجلس التأسيسي (عشرين نائباً).
وقد أعقب ذلك صدور قانون لانتخاب أعضاء المجلس التأسيسي. حيث قُسمت الكويت إلى عشر دوائر بواقع نائبين لكل دائرة، كما بلغ عدد من يحق لهم الانتخاب (11288) ناخباً، كذلك بلغ عدد المرشحين (73) مرشحاً.
وتجدر الإشارة إلى أن المجلس كان يضم في تشكيلته أعضاء بحكم وظائفهم وهم الوزراء (أحد عشر عضواً) وجميعهم كانوا من الأسرة الحاكمة. مما يعني أن عدد أعضاء المجلس كان (31) عضواً.
وبعد أن تم تشكيل المجلس التأسيسي بدأ العمل في إعداد الدستور. حيث تم انتخاب لجنة فرعية شُكلت من خمسة أعضاء أُطلق عليها “لجنة الدستور”. وكانت مهمة اللجنة إعداد مشروع الدستور، ثم عرضه على المجلس التأسيسي لمناقشته وإقراره.
ولكن يشار إلى أن المجلس التأسيسي لم يكن ينفرد بهذه المهمة، وإنما كان يشاركه فيها الأمير، إذ لم يكن مشروع الدستور الذي يقره المجلس نافذاً إلا بعد التصديق عليه من الأمير وإصداره.
لذا فلما انتهت اللجنة من وضع مشروعها النهائي للدستور عرضته على المجلس التأسيسي الذي أقره بالإجماع. ويشار في هذا الخصوص إلى أن الأعضاء في المجلس بحكم وظائفهم –أي الوزراء- قرروا الامتناع عن التصويت على الدستور رغبة منهم في أن يتركوا هذا الأمر للأعضاء المنتخبين وحدهم.
ثم قدم المجلس مشروع الدستور إلى أمير البلاد الذي صدق عليه وأصدره في 11 نوفمبر سنة 1962م دون أي تعديل.
وقد احتوى الدستور على (183) مادة مقسمة على خمسة أبواب أساسية (الدولة ونظام الحكم- المقومات الأساسية للمجتمع الكويتي- الحقوق والواجبات العامة- السلطات- الأحكام العامة والأحكام المؤقتة)، علاوة على مذكرة تفسيرية للدستور.
وبوجه عام، يمكن القول أن هذا الدستور قد تميز بعدة مميزات، أهمها:-
1. أنه دستور تعاقدي بين الحاكم والشعب؛ حيث بدا طرفا العقد (الأمير وممثلو الشعب) في ديباجته بصورة جلية، مما خلق مسؤولية مشتركة بينهما للعمل على تقدم البلاد واستمرار طابعها الديمقراطي.
2. أنه اتسم بصبغة ديموقراطية؛ حيث أقام نظام الحكم على مبدأ عدم انفراد الحاكم بالسلطة، بل يكون للمحكومين المساهمة في صنع القرار السياسي كناخبين ومرشحين لعضوية مجلس الأمة.
3. أنه دستور متطور؛ حيث كفل للمواطنين العديد من الحقوق الاقتصادية والسياسية والمدنية والاجتماعية كمثيلتها في الدول العريقة في الديمقراطية: كحق التعليم والعمل والملكية الخاصة وحق تكوين الجمعيات والنقابات وحرية الاعتقاد وحرية الرأي والتعبير… الخ.
4. أنه دستور متوازن؛ حيث عمل على تحقيق التوازن بين النظامين الرئاسي والبرلماني من خلال الأخذ بنظام مختلط (مزدوج) يجمع بين مظاهر كل من النظامين.
ويرجع بعض المحللين السياسيين تميز الدستور الكويتي بهذه السمات إلى عدة أسباب، أهمها:-
1. تحلي أمير البلاد –آنذاك- المرحوم الشيخ عبد الله السالم الصباح بروح ديمقراطية أصيلة وتفهم عميق وزهد في السلطة.
2. تجسد الأصالة الديمقراطية في الروح العربية في نفس المواطن الكويتي.
3. حرص واضعي الدستور على أن يكون الدستور أكثر تقدماً وتطوراً عن المفاهيم والمعايير التي كانت سائدة عند وضعه. لذا قيل أن الدستور الكويتي قد وضع للغد، ومن أجل أن يطابق حاجات الغد وجبت محاولة التقدم به عن مطالب اليوم وشعاراته.
4. تأثر عملية وضع الدستور بالحراك الثقافي الذي كان يشهده المجتمع الكويتي نتيجة لانفتاح الكويت على الدول العربية بأنظمتها وثقافاتها ومفكريها ووسائل إعلامها.
ثانياً: مرحلة التحول نحو إقامة حياة نيابية (إنشاء مجلس الأمة):
بدأت عملية التحول نحو إقامة حياة نيابية متطورة في الكويت بإنشاء مجلس تشريعي أُطلق عليه “مجلس الأمة”. حيث نصت المادة (51) من الدستور على أن “السلطة التشريعية يتولاها الأمير ومجلس الأمة وفقاً للدستور”.
وقد جاءت هذه الخطوة تجسيداً لفكرة “المشاركة الشعبية” التي ازدهرت خلال فترة الستينات من القرن الماضي، والتي أكدت عليها المادة (6) من الدستور بقولها: “نظام الحكم في الكويت ديمقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعاً، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين بهذا الدستور”.
ومن ثم فقد صدر القانون رقم (35) لسنة 1962م في شأن انتخاب أعضاء مجلس الأمة، حيث صدرت الدعوة إلى انتخاب أول مجلس أمة، وأجريت الانتخابات في 23 يناير 1963م.
ويرجع قيام مجلس تشريعي في الكويت (مجلس الأمة) –في الأساس- إلى دعم الأسرة الحاكمة لوجود مجلس تشريعي، وبخاصة الشيخ عبد الله السالم الصباح (رحمه الله) الذي يعتبر المشجع الأول لتأسيس مجلس الأمة، وأيضاً المطالبات المنادية بتأسيس مجلس تشريعي من جانب الصحافة والنوادي والحركة العمالية والشخصيات الكويتية الإصلاحية وفئة التجار، وكذلك بيئة الكويت التي تتسم بالديمقراطية في نشأة حكمها، حيث كان استعانة الحاكم برأي المحكومين أمراً قديماً وتقليدياً قبل أن يكون للكويت دستور. لذا فقد قيل أن وضع الدستور الكويتي لم يكن أمراً جديداً إلا من حيث الشكل.
وقد ركز أول مجلس نيابي منتخب (مجلس الأمة) في الكويت على عملية الإصلاح في البلاد وتنظيم الدولة في كافة المجالات الاقتصادية والأمنية والإدارية ووضع أسس الدولة الحديثة.
وقد مرت الحياة الدستورية والنيابية في دولة الكويت بعدة محطات يمثل كل منها علامة بارزة في تاريخها، ولعل من أبرزها:-
v توقف الحياة النيابية بسبب أزمات دستورية:
توقفت الحياة النيابية في الكويت بسبب نشوء أزمات دستورية عدة مرات:
1) في عام 1976م؛ حين أصدر أمير البلاد (آنذاك) الشيخ صباح السالم الصباح (رحمه الله) مرسوماً أميرياً يقضي بحل مجلس الأمة في 29 أغسطس 1976 وتعطيل العمل بأربع مواد من الدستور من بينها المادة (107)، والتي تقضي بأنه إذا تم حل المجلس وجب إجراء الانتخابات للمجلس الجديد في ميعاد لا يجاوز شهرين من تاريخ الحل، فإن لم تجر الانتخابات خلال تلك المدة استرد المجلس المنحل كامل سلطته الدستورية ويجتمع فوراً كأن الحل لم يكن، ويستمر في مباشرة أعماله إلى أن يتم انتخاب مجلس جديد.
وقد أوضح المرسوم الأميري أن حل المجلس يرجع إلى فقدان التعاون بين الحكومة والمجلس، وتهجم المجلس على المسؤولين الحكوميين دون وجه حق، والإساءة إلى العلاقات مع بعض الدول العربية بسبب انتقاد المجلس لسياساتها، والأوضاع التي تشهدها المنطقة مما يؤثر على استقرار الكويت.
وقد تلا ذلك إنشاء لجنة للنظر في تعديل الدستور. حيث اقترحت اللجنة- بعد الانتهاء من أعمالها- تعديل المادة الثانية من الدستور لتصبح “دين الدولة الإسلام، والشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع”، كما اقترحت زيادة عدد أعضاء مجلس الأمة إلى (60) عضواً بدلاً من (50).
وقد استمر هذا التعطيل لمدة تزيد على أربع سنوات ونصف (أغسطس 1976 – مارس 1981)، شهدت خلالها البلاد معارضة شعبية كبيرة أدت إلى تراجع الحكومة عن فكرة تعديل الدستور وانتهاء حالة تعطيل الحياة البرلمانية؛ حيث اصدر أمير البلاد (آنذاك) الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح (رحمه الله) في 24 أغسطس 1980م مرسوماً بدعوة مجلس الأمة للانعقاد خلال مدة لا تجاوز شهر فبراير 1981م. وقد تلا ذلك صدور المرسوم الأميري رقم (99) لسنة 1980 في 16 ديسمبر 1980م، والذي قضى بإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية ليصبح عددها خمساً وعشرين دائرة بدلاً من عشرة دوائر فقط، وبحيث يكون لكل دائرة نائبان. وقد أجريت الانتخابات في شهر فبراير 1981م.
2) في يوليو 1986م، حين أصدر أمير البلاد (آنذاك) الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح (رحمه الله) مرسوماً أميرياً بحل مجلس الأمة وتعطيل العمل ببعض نصوص الدستور. وكان ذلك نتيجة اشتعال الصراع بين الحكومة والمجلس على السلطة في البلاد مما أدى إلى تأزم العلاقة بينهما؛ حيث طالب المجلس بمناقشة قضايا حساسة تتعلق بالمال العام كما طالب بسحب الثقة من أربعة وزراء بالحكومة. ويعزى ذلك أيضاً إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية؛ حيث ظهرت تكتلات وأحزاب من شأنها تمزيق الوحدة الوطنية في ظل ظروف إقليمية حرجة تمثلت في الحرب العراقية الايرانية والتي كانت مصدراً لتهديدات سياسية وأمنية لدولة الكويت.
وقد أعقب ذلك ظهور ضغوط اجتماعية واحتجاجات شعبية واسعة تطالب بإجراء إصلاحات دستورية وعودة الحياة البرلمانية. وقد أدى ذلك إلى إعلان أمير البلاد في أبريل عام 1990م تشكيل “المجلس الوطني” ليحل محل مجلس الأمة. وهو مجلس كان يضم في عضويته (50) عضواً منتخباً إضافة إلى (25) عضواً معيناً، وعلى أن تكون لهذا المجلس اختصاصات استشارية وليس صلاحيات تشريعية. ثم جاء غزو الكويت ليغير واقع الحال في الكويت تماماً.
ومن ثم فقد عادت الحياة البرلمانية مرة أخرى في عام 1992م؛ حيث تم دعوة الناخبين لانتخاب أعضاء المجلس في شهر أكتوبر عام 1992، وذلك سعياً من الحكومة الكويتية إلى الرد على منتقديها وتأكيد النهج الديمقراطي الذي تنتهجه في إدارة البلاد.
3) في مايو 1999؛ حين صدر المرسوم الأميري بحل المجلس. وكان ذلك نتيجة لتأزم العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وقد أعيد تشكيل المجلس في 17 يوليو 1999م والذي استكمل مدته الدستورية والتي انتهت في 30 يونيو 2003م.
4) في مايو 2006؛ حين تم صدر المرسوم الأميري في 21 2006م، وذلك بسبب الصدام بين المجلس والحكومة بشأن قضية تقليص عدد الدوائر الانتخابية وتقديم استجواب لرئيس الوزراء بخصوصها.
5) في مارس 2009م، حين تم حل المجلس حلا دستورياً، وكان ذلك بسبب انعدام التعاون بين المجلس والحكومة.
6) في ديسمبر عام 2011؛ حين تم حل مجلس 2009 بسبب فضيحة تلقي بعض النواب لرشاوى، وأيضاً بسبب كثرة الاستجوابات الموجهة إلى رئيس الحكومة والوزراء الشيوخ، وكذلك بسبب واقعة اقتحام مجلس الأمة.
7) وكان آخرها في يونيو 2012، حين قضت المحكمة الدستورية ببطلان مجلس 2012 وإعادة مجلس 2009 الذي تم حله في ديسمبر 2011م.
v دخول المرأة الكويتية مجلس الأمة:
لم تتمكن المرأة الكويتية من دخول مجلس الأمة إلا في عام 2009م؛ حين تمكنت أربع نساء من الفوز بمقاعد نيابية في انتخابات مجلس الأمة عام 2009م، وذلك كممثلة لثلاث دوائر انتخابية هي الأولى والثانية والثالثة.
وفي هذا السياق، يرى بعض المحللين السياسيين أن مجلس عام 2009 قد رسم خارطة طريق ووضع رؤية جديدة لدور المرأة الكويتية ليس فقط في العمل البرلماني بل في حياة الكويتيين السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وذلك باعتبار أن المرأة الكويتية وإن تبوأت مناصب الإدارة العامة واحتلت مواقع مؤثرة فيها كوزيرة ورئيسة جامعة وسفيرة ووكيلة وزارة، إلا أنها تبوأت مكانتها في مجلس 2009م عن طريق الانتخاب الحر المباشر وصناديق الاقتراع وليس عن طريق نظام التعيين.
انتخابات مجلس الأمة الكويتي 2012 …
في الأول من ديسمبر 2012 وبعد شهر من الاحتفال بالذكرى الخمسين لإعلان دستورها أجرت دولة الكويت انتخاباتها البرلمانية للمرة الثانية خلال عشرة أشهر. وقد قام الناخبين الكويتيين بإدلاء أصواتهم لإنتخاب أعضاء مجلس الأمة الكويتي لخمس مرات على مدى الستة سنوات ونصف الماضية، والذي حل انعقاده قبل نهاية ولايته.
علاوة على ذلك شهدت الكويت في نفس الفترة تغير ثلاثة أمراء، وثلاثة رؤساء وزراء، وثلاثة وزراء خارجية، وعشرة تشكيلات وزارية و قانونيين انتخابيين. ويكمن جوهر المشكلة في رغبة المعارضة في أن يتم تعيين أعضاء الحكومة من قبل الأغلبية في مجلس الأمة لتصبح الكويت ملكية دستورية، مما يثير العديد من المخاوف من هيمنة الإسلاميين على هذا النظام وما يتبعها من تغييرات كبيرة في البلاد.
واتهمت الحكومة نواب المعارضة باستخدام المجلس لتصفية الحسابات بدلاً من المساعدة في تمرير القوانين اللازمة للتنمية الاقتصادية، ومن جهة أخرى اتهم سياسيون من المعارضة الحكومة بسوء الإدارة ودعوا إلى تشكيل حكومة منتخبة. وعلى الرغم من تمتع أعضاء مجلس الأمة الكويتي بسلطات تشريعية ورقابية، إلا أنه ليس لديهم تأثير على طريقة تشكيل مجلس الوزراء الذي يضم العديد من أعضاء الأسرة الحاكمة.
ومع ذلك، يملك النواب الحق في استجواب الوزراء والتصويت لاقصائهم من الحكومة مما وضعهم في مواجهة مباشرة مع الاسرة الحاكمة. وقد ساهمت هذه التغييرات والإشكاليات في تقييد النظام السياسي، مما أثار الكثير من التساؤلات حول ما حصل للمكانة التي تبوأتها دولة الكويت في الماضي كنموذج للديمقراطية المثالية في المنطقة.
وقد شهدت انتخابات أعضاء مجلس الأمة الكويتي الخامس عشر جو من التوتر والانقسام يعد الأشد من نوعه في تاريخ الكويت السياسي، كما شهدت النسبة الأدنى من مشاركة الناخبين منذ الانتخابات الأولى في عام 1963 حيث شارك نحو 40% فقط بينما كانت نسبة المشاركة في الانتخابات الثلاث الماضية 60%. وعلاوة على ذلك، قاطع المعارضون انتخابات الجمعية الوطنية الكويتية للمرة الأولى منذ 50 عاماً احتجاجاً على قيام الحكومة وبصورة فردية بتعديل قانون الانتخابات الرئيسي قبيل اجراء الانتخابات.
وكان قانون عام 2006 والذي نتج عن الاحتجاجات التي قادتها المعارضة قد أدى إلى تقسيم البلاد إلى خمس دوائر انتخابية تتولى كل دائرة ترشيح عشرة نواب لعضوية مجلس الأمة الكويتي المكون من 50 عضواً، وينص على أن لكل ناخب مؤهل الحق في التصويت لأربعة مرشحين كحد أقصى، ثم جاء التعديل في 2012 ليقلص الحد المسموح للتصويت لمرشح واحد فقط، مما دعا المعارضة لاتهام الحكومة بإجراء هذا التعديل لتتمكن من التلاعب في نتائج الانتخابات.
وقد أقيمت انتخابات ديسمبر بعد شهرين من قيام الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح بحل مجلس الأمة الكويتي الموالي للحكومة والمشكل في 2009 بعد إعادة العمل به في يونيو بموجب حكم قضائي ألغى أهلية المجلس الذي انتخب في شهر فبراير.
وقد كان أكثر من نصف المترشحين لعضوية المجلس في الانتخابات الأخيرة ممن يدخلون الحياة السياسية لأول مرة. وفاز الشيعة ب 17 مقعد وهو أعلى عدد من المقاعد يتمكنون من الفوز به على الإطلاق؛ حيث احتل الشيعة الذين يشكلون ما يقارب 30% من سكان الكويت تسعة مقاعد في البرلمان الذي انتخب في عام 2009 وسبعة في المجلس المنتخب في فبراير. وقد كان توجه نواب الشيعة في الماضي أكثر دعماً للحكومة من المعارضة. كما شكل النواب السنة أقلية في هذه الانتخابات حيث حصلوا على أربعة مقاعد فقط مقارنة مع انتخابات فبراير التي وصل عدد المقاعد التي شغلوها في المجلس إلى 23 مقعد. كما شغلت المرأة ثلاثة مقاعد في المجلس بعد انتخاب ثلاث مرشحات وهو أقل بمقعد من العدد الذي حصلن عليه في التشكيل السابق.
وعلى الرغم من خسارة المعارضة سياسياً، إلا أن مقاطعتهم للانتخابات كانت ناجحة للغاية حيث أدت إلى تخلف غالبية الناخبين عن الإدلاء بأصواتهم ووصف الانتخابات والنتائج بأنها “غير دستورية”. وكانت المعارضة التي تضم اسلاميين وسياسيين قبليين وليبراليين ويساريين قد فازت بثلثي مقاعد المجلس في انتخابات فبراير وشكلت تكتل مارس ضغوطاً على الحكومة مما اضطرها لإقالة وزيرين من منصبهما.
كما كانت أكبر ثلاث قبائل بدوية رئيسية في الكويت وهي العوازم والمطير والعجمان والتي يبلغ عدد أفرادها أكثر من 400،000 نسمة أول الخاسرين نتيجة مقاطعتها للانتخابات، حيث فازوا بمقعد واحد فقط في المجلس الجديد مقابل 17 مقعد في المتوسط خلال المجالس السابقة.
في انتخابات 2009 انضم 21 عضو جديد للمجلس، كما تراجعت قوة النواب الإسلاميين اللذين كانوا مهيمين على المجلس خلال العقدين الماضيين، فقد حصل السنة وحلفائهم القبليين على أحد عشر مقعداً مقابل واحد وعشرون في السابق في حين ارتفع رصيد الشيعة من خمسة مقاعد إلى تسعة، وحصل الليبراليون سبعة مقاعد بزيادة مقعدين عن التشكيل السابق. والأهم من ذلك انضمام المرأة الكويتية لمجلس الأمة من خلال التصويت الشعبي وفوزها بأربعة مقاعد.
وفي انتخابات فبراير2012 سيطرت المعارضة التي تتألف من الإسلاميين والقبليين والليبراليين على تشكيلة المجلس بأغلبية ساحقة حيث حصلوا على 34 مقعداً من أصل 50، وترتب على ذلك الحد من سلطة الليبرالية الراسخة في الكويت والنخب التجارية بالإضافة إلى خروج المرأة من المجلس. ويعود السبب في ذلك إلى الانقسام الحاد في المجتمع الكويتي بين الطبقة السياسية التي تهيمن عليها النخب التقليدية من الحضر اللذين استوطنوا المدن منذ ما قبل النفط، والوافدين الجدد من القبائل البدوية بسبب خطط التجنيس التي أطلقتها الحكومة على نطاق واسع خلال الستينيات والسبعينيات.
وبالتالي فقد أدت هيمنة النواب القبليين والاسلاميين على تراجع سمعة الكويت كونها المجتمع الأكثر تسامحا وتقدماً على الصعيد السياسي بين دول التعاون الخليجي. لكن المحكمة الدستورية ألغت نتيجة التصويت في يونيو وحلت المجلس الجديد وأعادت المجلس المشكل في 2009 والموالي للحكومة لممارسة مهامه.
خاتمة..
منذ العام 2006 ظهرت حركات شبابية جديدة على الساحة السياسية في البلاد وأصبحت عاملاً مؤثراً، بدأت بالمطالبة بتغيير تقسيم الدوائر الانتخابية في الكويت وعرفوا بإسم “الحركة البرتقالية” وهو اسم مقتبس من ثورة أوكرانيا في 2004-2005، وقد استخدمت هذه المجموعة أدوات إعلامية حديثة لتنسيق خططها واحتجاجاتها وذلك قبل وقت طويل من ظهور تأثير هذه الأدوات كقوة أساسية في تحقيق الربيع العربي في الشرق الأوسط. وبعد الفصل بين منصبي ولي العهد ورئيس الوزراء في عام 2003، اكتسبت المعارضة قوة إضافية، كما زادت أهميةً وتأثيراً عندما أطيح بالشيخ ناصر في نوفمبر2011.
وبشكل عام فإن ثورات الشعب الكويتي تحدث على ثلاثة مستويات:
– شعب يطالب بحكومة أكثر تمثيلاً.
– نواب يطالبون بتمكين أكبر للمجلس والحد من سيادة الأسرة الحاكمة.
– مشاحنات داخلية بين جناحي العائلة المالكة الجابر والسالم، والتي ظهرت بقوة بعد تنحية الشيخ سعد السالم عام 2006 من منصبه لأسباب صحية بعد أسبوع من توليه السلطة، وتعيين خليفته من أسرة الجابر وبذلك أخلت الأسرة الحاكمة بتقليدها السائد بالتناوب على السلطة بين الجناحين.
وحتى بعد انتهاء انتخابات ديسمبر 2012م مازالت دولة الكويت تشهد احتجاجات ومواجهات واشتباكات بين الناشطين الشباب وقوات الامن بشأن المجلس المنتخب حديثاً. بالإضافة إلى اجتذاب اثنين من تجمعات المعارضة الرئيسية الأخيرة للاهتمام من خلال “مسيرة الكرامة”، وقد تم القبض على عدد متزايد من النشطاء والنواب السابقين ومحاكمتهم. وتبدو الأمور وكأنها وصلت إلى طريق مسدود مع رفض الحكومة للتنازل بشأن مسألة قانون الانتخابات والإصلاح السياسي، وتهديد المعارضة بتصعيد الاحتجاجات من خلال الإضرابات والعصيان المدني.
وبناءً على هذه العوامل فمن المرجح أن لا يكمل المجلس الجديد فترة ولايته بالكامل، كما أن من شأن هذا الوضع السياسي الشائك أن يؤثر على النمو الاقتصادي للبلاد على المدى البعيد، ويؤدي إلى زيادة تطرف الجماعات المحافظة، وما يقود له من احباط للمواطن الكويتي العاد