الاصول التاريخية لنشأة البرلمان
تمتلك الحياه النيابية طبيعة خاصة وتتميز تجاربها من دولة الى اخرى ، وتعد بحد ذاتها مرآه تعكس آلية المشاركة السياسية لكل دولة . من هنا نرى ان لكل دولة تجربتها الخاصة. وحرصاً الى نقل التجارب البرلمانية للدول المختلفة سيتم استعراض التجارب البرلمانية والتعريف بكيفية نشأة البرلمان في عدد من دول العالم، بهدف تعزيز ثقافة المشاركة السياسية والتعرف على طبيعة الحياة النيابية لديها.
وسنتطرق في هذا العدد الى التعريف بكيفة نشأة البرلمان فقد ظهر البرلمان بمعناه الحديث في بدايات القرن الثالث عشر، حين نشأ في بريطانيا مجلس يسمى “بالمجلس الكبير”، وكان يضم كبار النبلاء الذين يحصلون على عضويته بالوراثة أو بالتعيين من قبل الملك إلى جانب رجال الدين. وكان يعد مجلساً استشارياً للملك، يقدم له المشورة عندما يطلبها في بعض القضايا.
وقد استمر هذا الوضع حتى نشب خلاف كبير بين الملك وأعضاء المجلس الكبير، حتى تطور الأمر إلى نشوب حرب بين جيوش الطرفين انتهت بانتصار جيوش النبلاء على جيوش الملك. وترتب على ذلك قيام المجلس الكبير بفرض وثيقة على الملك يطلق عليها (العهد الأعظم- الماجنا كارتا) في عام 1215م، حيث طالب المجلس الكبير بحقه في التشريع دون تركه للملك، الذي لم يعد معبراً عن إرادة الشعب.
ثم ما لبث أن تطورت الأمور في عام 1265م، حيث طلب الملك أن يتم انتخاب عضوين من كل مدينة لحضور جلسات المجلس الكبير، ويتمتعون بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها أعضاء مجلس النبلاء. غير أنه بعد مرور فترة من الزمن رفض النبلاء الجلوس مع ممثلي المدن في مجلس واحد، مما دعا ممثلي المدن لعقد اجتماعاتهم منذ عام 1351م في قاعة خاصة بهم منفصلة عن قاعة النبلاء، ثم أصبح لهم منذ عام 1377م رئيس يدير جلساتهم ويتحدث باسمهم أمام الملك.
وقد نتج عن انفصال الأعضاء المنتخبين عن النبلاء المعينين انقسام البرلمان إلى مجلسين: أولهما المجلس المعين وعرف باسم (مجلس اللوردات)، وثانيهما المجلس المنتخب وعرف باسم (مجلس العموم).
وفى عهد الملك شارل الأول، حدث الصدام بينه وبين مجلس العموم حول قوانين الضرائب، حيث كان الملك في حاجة لدعم البرلمان لمواجهة النفقات الباهظة في مجال تسليح الجيش لمواصلة توسعاته الإقليمية، مما اضطره إلى الانصياع إلى رغبة البرلمان في لعب دور أكبر في مجال فرض الضرائب، فيما عرف -منذ ذلك الحين- بشعار “لا ضرائب بلا تمثيل”. ثم تنامى هذا الدور في منتصف القرن السابع عشر خلال الحرب الأهلية في بريطانيا، حيث اندلعت الثورة الإنجليزية الكبرى من داخل البرلمان.
أما عن اختصاصات المجلسين فقد كانت متساوية حتى عام 1911م، حين تم تقليص الاختصاصات التشريعية لمجلس اللوردات فأصبح ملزماً بالموافقة على جميع القوانين التي يقرها مجلس العموم خلال مدة لا تجاوز عامين من صدورها وإلا أصبحت نافذة دون موافقته، ثم قصرت هذه المدة في عام 1949م إلى سنة واحدة فقط. وهكذا أصبح مجلس اللوردات دون اختصاصات فعلية. كما لم تعد عضويته مقصورة على النبلاء فقط، بل أصبحت عضويته متاحة لأشخاص ينحدرون من طبقات اجتماعية مختلفة، لكنهم قدموا خدمات جليلة لبريطانيا.
أما عن ظهور البرلمان في العالم العربي، فإن أول مجلس نيابي حقيقي قد ظهر في مصر في عام 1866م، وكان يعرف “بمجلس شورى النواب”. والذي يعتبر أول برلمان في العالم العربي يمتلك اختصاصات نيابية فعلية وليس مجرد مجلس استشاري، وكان يشكل من (75) عضواً، يتم اختيارهم بالانتخاب المباشر والحر بين المرشحين.