تاريخ الحياة البرلمانية في مصر - الجزء الأول | وزارة الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي

تاريخ الحياة البرلمانية في مصر – الجزء الأول

مارس 30, 2012

تاريخ الحياة البرلمانية في مصر – الجزء الأول

ذكرنا في الإصدار السابق أن أول مجلس نيابي حقيقي في العالم العربي قد ظهر في مصر في عام 1866م، وكان يعرف “بمجلس شورى النواب”. ويرجع السبب في هذا التحديد إلى أنه يعتبر أول برلمان في العالم العربي يمتلك اختصاصات نيابية فعلية ولم يكن مجرد مجلساً استشارياً.

ولا يعني ذلك أنه لم تكن هناك مجالس أخرى سابقة على هذا المجلس، غير أنها لم تكن سوى مجالس استشارية ذات صبغة إدارية؛ فلم تكن تمتلك اختصاصات تشريعية أو رقابية، كما أن عضويتها كانت تتم بنظام التعيين. والتي نعرض لها على النحو التالي:-

1- الديوان العام: وقد أنشئ في عام 1798م إبان الحملة الفرنسية على مصر. وكان يتكون من مجموع الدواوين التي أنشئت بالأقاليم المصرية، وكان كل منها يتكون من تسعة أعضاء: ثلاثة من الفقهاء، وثلاثة من التجار، وثلاثة من الفلاحين وشيوخ البلاد وقبائل البدو، وكان يتم اختيارهم عن طريق الحاكم الفرنسي بالإقليم وليس عن طريق الانتخاب.

ولقد كان الديوان العام مجلساً استشارياً للحاكم الفرنسي ورجاله الذين كانوا يملكون سلطة القرار النهائي في كافة الأمور. وكانت تنحصر مهمة الديوان العام في مساعدة الحاكم الفرنسي ورجاله في إدارة شؤون البلاد وأن يكون حلقة الوصل بين الحكام الفرنسيين والشعب المصري.

2- المجلس العالي: وقد أنشأه محمد علي باشا والي مصر في عام 1824م. وكان يتكون في بدايته من (24) عضواً، ثم زاد عدد أعضائه إلى (48) عضواً، يمثلون فئات الشعب المختلفة: نظار الدواوين، ورؤساء المصالح، واثنين من العلماء يختارهما شيخ الأزهر، واثنين من التجار يختارهما كبير تجار العاصمة، واثنين من ذوى المعرفة بالحسابات، واثنين من الأعيان عن كل مديرية من مديريات القطر المصري ينتخبهما الأهالي.

وقد صدرت اللائحة الأساسية للمجلس في سنة 1825م، حيث حددت اختصاصاته في مناقشة ما يراه أو يقترحه محمد على فيما يتعلق بسياسته الداخلية، كما تضمنت مواعيد انعقاد المجلس وأسلوب العمل فيه.

3- مجلس المشورة: وقد أنشأه محمد على باشا في عام 1829م بديلاً للمجلس العالي، وكان يعد بمثابة نواة لنظام الشورى؛ حيث كان يمثل جمعية عمومية لممثلي كافة فئات الشعب. وكان يتألف من (156) عضواً: (33) من كبار الموظفين والعلماء، و(24) من مأموري الأقاليم، و(99) من كبار أعيان القطر المصري يتم اختيارهم عن طريق الانتخاب. وكان ينعقد مرة واحدة في السنة برئاسة إبراهيم باشا (ابن محمد على).

وكان يتم استشارة مجلس المشورة في مسائل التعليم والإدارة والأشغال العمومية، كما كان له الحق في مساءلة موظفي الدولة ومشايخ البلاد عن جرائم الرشوة والاختلاس التي يرتكبونها، والنظر في الشكاوى التي يتقدم بها المواطنون.

أما عن أسلوب عمل مجلس المشورة، فقد أصدر المجلس في عام 1830م مجموعة من التعليمات التي تشتمل على أسس وأساليب عمله، ثم سن المجلس في عام 1833م قانوناً خاصاً به يكمل هذه التعليمات، ويتناول تنظيم فترات انعقاده، وإجراءات ما يجرى به من مداولات، وما يصدر عنه من قرارات.

وقد تم إلغاء مجلس المشورة في عام 1837م، حيث حل مكانه مجلسان هما: “المجلس الخصوصي” وكانت مهمته سن القوانين، و”المجلس العمومي” وكانت مهمته بحث الأمور التي تحيلها إليه الحكومة.

4- مجلس شورى النواب: وقد أنشأه الخديوي إسماعيل والي مصر في عام 1866م. ويعد هذا المجلس البداية الحقيقية للحياة البرلمانية في مصر، حيث كان أول مجلس نيابي يمتلك اختصاصات نيابية فعلية، فلم يكن مجرد مجلس استشاري تغلب عليه الصفة الإدارية كسابقه من المجالس؛ لذا يطلق عليه وصف “البرلمان الأول” في مصر.

وكان المجلس يتكون من (75) عضواً منتخباً من قبل أعيان المدن (القاهرة والإسكندرية ودمياط) وعمد البلاد ومشايخها في باقي المديريات، إضافة إلى رئيس المجلس الذي كان يعين بأمر من الخديوي.

وقد تضمنت اللائحة الأساسية للمجلس، والتي تأثرت بالنظم البرلمانية التي كانت سائدة في أوروبا في ذلك الحين وبخاصة البرلمان الفرنسي عدة أمور، أهمها: النظام الانتخابي، والشروط القانونية الواجبة في المرشح، وأيضاً فترات انعقاد المجلس (حيث كانت مدة المجلس ثلاث سنوات، وكانت مدة دور الانعقاد شهرين في السنة)، وكذلك سلطاته (حيث كان يملك المجلس سلطة مناقشة الشئون الداخلية، وأيضاً رفع نصائح إلى الخديوي).

ومع مرور الوقت ظهرت المطالبات الشعبية التي تنادي بإنشاء مجلس نيابي له صلاحيات تشريعية ورقابية أوسع، ويرجع السبب في ذلك إلى انتشار أفكار التنوير على يد مجموعة من كبار المفكرين والكتاب، إلى جانب ظهور الصحف في ذلك الوقت. وقد أثمرت هذه المطالبات الشعبية عن إنشاء أول مجلس نظار (مجلس وزراء) في مصر في عام 1878م، كما أعيد تشكيل البرلمان وتوسيع صلاحياته، وإن ظلت بعض النواحي المالية تخرج عن اختصاصه.

ثم أصبحت الأمور أكثر تطوراً، حينما تم إعداد اللائحة الأساسية الجديدة لمجلس شورى النواب في عام 1879م، والتي تضمنت زيادة عدد أعضائه إلى (120) عضواً، وتقرير مبدأ المسئولية الوزارية للحكومة، ومنح المجلس سلطات أكبر في الأمور المالية. غير أن الخديوي رفض هذه اللائحة وأصدر أمراً بحل المجلس في مارس 1879م، ولكن المجلس ظل -رغم ذلك- يعقد جلساته حتى انتهاء دور الانعقاد في يونيو 1879م.

وقد استمر نضال أعضاء مجلس شورى النواب في سبيل توسيع سلطات المجلس حتى قامت الثورة العرابية في شهر سبتمبر من عام 1881م، حيث تم وضع قانون جديد للبرلمان يمنحه سلطات أوسع، كما يتيح لفئات جديدة من المواطنين حق التصويت والترشيح، ولكنها لم تعتمد نظام الاقتراع المباشر، بل اعتمدت نظام “الانتخاب غير المباشر على درجة واحدة”؛ حيث قررت أن ينتخب كل (100) شخص -ممن لهم حق التصويت- مندوباً عنهم، كما تم زيادة عدد أعضاء المجلس إلى (125) عضواً.

5- مجلس شورى القوانين: وقد أنشئ في عام 1882م بعد احتلال انجلترا لمصر، حينما ألغي دستور الثورة العرابية، وحل مكانه القانون النظامي في سنة 1883م، الذي ألغى مجلس شورى النواب، واستبدله بمجلسين، هما: مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية.

وكان مجلس شورى القوانين يتكون من (30) عضواً، تعين الحكومة (14) منهم، كما كانت قراراته استشارية وليست ملزمة. أما الجمعية العمومية فكانت تتكون من مجلس النظار (أي مجلس الوزراء)، ومجلس شورى القوانين، و(46) عضواً من الأعيان يتم انتخابهم. وكانت الجمعية العمومية هيئة استشارية فقط؛ حيث كان دورها ينحصر في مراجعة قوانين الضرائب الجديدة دون الحق في إلغائها أو تعديلها.

6- الجمعية التشريعية: وقد أنشأها الخديوي عباس حلمي الثاني والي مصر في عام 1913م بديلاً عن مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية، ولكنها لم تكن تختلف كثيراً عنهما. وكانت تتكون من مجلس النظار (أي مجلس الوزراء) و(66) عضواً منتخباً و(17) عضواً معيناً. وقد عقدت الجمعية التشريعية دورتها الأولى في شهر يناير عام 1914م، ولكن نشوب الحرب العالمية الأولى كان سبباً في تأجيل اجتماعاتها إلى أجل غير مسمى.

7- وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى قامت ثورة 1919، والتى تمخضت عن دستور 1923م الشهير، والذى ألغى الجمعية التشريعية وأحل محلها مجلسين، هما «مجلس النواب» و«مجلس الشيوخ»، ويعتبر هذا البرلمان أول برلمان له سلطات حقيقية فيما يتعلق بإدارة الدولة، وكانت عضوية مجلس النواب بالكامل بالانتخاب، أما مجلس الشيوخ فينتخب ثلاثة أخماس أعضائه ويعين الملك الخمسين، وتم الاحتفاظ بنظام المندوبين في التصويت، ولكن خفضت النسبة إلى مندوب لكل ثلاثين ناخباً لمجلس النواب، ومندوب عن كل خمسة مندوبين لانتخاب مجلس الشيوخ، مما رفع عدد الذين لهم حق التصويت.

كما شهدت الانتخابات ظهور الأحزاب لأول مرة ، فكان كل مرشح ينسب نفسه إلى حزب من الأحزاب القائمة، وقد شهدت أول انتخابات فى ظل الدستور الجديد اكتساحا كبيرا لحزب الوفد وزعيمه سعد زغلول، مما أدى إلى تشكيله لوزارته الوحيدة، والتى استمرت لعشرة شهور من 28 يناير 1924م إلى 24 نوفمبر 1924م، والتى انتهت باستقالته بعد حادثة قتل السير “لى ستاك” قائح الجيش المصرى فى نوفمبر 1924م، وقد أعقب الاستقالة حل البرلمان فى يوم 24 ديسمبر من نفس العام.

وقد تتابعت على مصر فى الفترة من عام 1923 وحتى عام 1952م عشر هيئات نيابية، والتي لم يكمل منها مدته التشريعية إلا هيئة واحدة فقط. ويطلق لقب أقصر برلمان فى مصر على البرلمان الثاني، والذى عقد أولى جلساته وآخرها فى يوم 23 مارس 1925م. إذ لما انتخب الزعيم سعد زغلول رئيسا للمجلس، قام الملك أحمد فؤاد الأول بإصدار قرار حل البرلمان فى نفس يوم انعقاده، لتصبح مدة انعقاده (8) ساعات فقط، ليكون بذلك أقصر برلمان تشهده الحياة البرلمانية في مصر حتى الآن.

شكراً على آرائكم