الحياة النيابية في مملكة البحرين- الجزء 1

مارس 30, 2014

الحياة النيابية في مملكة البحرين- الجزء 1

يلاحظ المتابع لعملية تطور الحياة النيابية في مملكة البحرين أنها قد مرت بعدة محطات رئيسة خلال مراحل تطورها، والتي يمكن تقسيمها إلى مرحلتين أساسيتين، تتضمن كل منهما عدة مراحل فرعية: أولاهما المرحلة التي تسبق إعلان استقلال البحرين في أغسطس من عام 1971م، وثانيهما مرحلة ما بعد إعلان الاستقلال، والتي شهدت –بدورها- تجربتين نيابيتين متميزتين.

وتأسيساً على ما تقدم، فسوف نتناول هاتين المرحلتين من خلال التفصيل التالي:

أولاً: الحياة النيابية في مرحلة ما قبل الاستقلال:

انطلقت عملية التطوير في البحرين في بدايات القرن الماضي من خلال وضع أسس التنظيم الإداري في الدولة؛ حيث تم تأسيس الإدارة الحكومية في عام 1919م وذلك بإنشاء المجالس البلدية للاضطلاع بمهام الشؤون الإدارية. فقد تم إنشاء أول مجلس بلدي في المنامة مكوناً من ثمانية أعضاء يعينهم الحاكم. وقد استمر هذا الوضع حتى عام 1924؛ حين أُدخلت بعض التعديلات على قانون البلدية، والتي كان من شأنها زيادة عدد أعضاء المجلس إلى عشرين عضواً بحيث يتم تعيين نصفهم من قبل الحاكم، على أن يتم انتخاب النصف الآخر عن طريق الاقتراع السري من قبل المواطنين الذين لهم حق التصويت. ومن ثم فقد كانت انتخابات المجلس البلدي في المنامة أول تجربة انتخابية عرفتها البحرين.

ولقد ترتب على نجاح تجربة المجلس البلدي في المنامة -وبخاصة بعد زيادة المشاركة الشعبية في انتخاب أعضائه- توجه السلطات نحو تعميمها في ثلاث مدن أخرى، هي المحرق والحد والرفاع. بل تطور الأمر إلى إنشاء ثماني بلديات مستقلة في القرى، وذلك بعدما استشعرت الحكومة استعداد ورغبة سكان القرى في قبول إدارة المجالس البلدية لشؤونهم.

كما شهد عام 1919م حدثاً يعتبر –في حقيقته- نقلة نوعية في مجال المشاركة الشعبية في إدارة شؤون الحكم في البحرين، والذي يتمثل في موافقة حاكم البلاد –آنذاك- الشيخ عيسى بن علي على طلب كبار رجال البحرين بإنشاء مجلس يضم رؤساء الدوائر، مع تعهده باحترام مشورة هذا المجلس في مقابل تعهدهم بالسمع والطاعة ولزوم أوامره. غير أن المعتمد السياسي البريطاني في البحرين قد عارض فكرة إنشاء هذا المجلس، مما دعا كبار رجال البحرين إلى عقد مؤتمر وطني في عام 1920م، والذي تمخض عن اتخاذ عدة قرارات، كان أبرزها إنشاء مجلس شورى منتخب من قبل المواطنين البحرينيين للنظر في شؤون البلاد. إلا أن المعتمد السياسي البريطاني قد عارض –أيضاً- هذه التجربة الوليدة؛ فلم يكتب لها النجاح منذ بدايتها.

وقد استمر هذا الوضع، حتى ظهرت عدة مطالب شعبية -في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي- تنادي بإنشاء مجلس شورى للحد من التدخل البريطاني في إدارة شؤون البلاد، ثم أعقبها ظهور مطالبات أخرى تنادي بإنشاء مجلس تشريعي يضم في عضويته ممثلين عن الشعب وآخرين عن الأسرة الحاكمة بهدف المشاركة في صنع القرارات السياسية وإدارة شؤون البلاد.

وقد ظلت هذه المطالبات قائمة حتى منتصف خمسينيات القرن الماضي، حين قامت حركة سياسية معترفاً بها من قبل الحكومة، والتي كانت تُسمى -في بدايتها- الهيئة التنفيذية العليا، ثم ما لبث أن تغير اسمها -لاحقاً- إلى هيئة الاتحاد الوطني. وكانت تضم هذه الحركة مختلف التيارات السياسية في البحرين. وقد طالبت الحركة -من خلال عدة مذكرات رفعتها إلى حاكم البلاد آنذاك- الشيخ سلمان آل خليفة بإنشاء مجلس تشريعي منتخب ينسجم مع الفكر الإسلامي ويساير المتغيرات السياسية والاجتماعية التي كانت سائدة في الأوساط الشعبية. إلا أن السلطات لم تستجب لمطالب الهيئة، كما قامت بالقضاء على انتفاضتها التي اندلعت في شهر نوفمبر عام 1956م.

وقد برزت عدة تنظيمات سياسية عقب القضاء على انتفاضة هيئة الاتحاد الوطني، والتي كانت تتبنى بعض أهداف الهيئة المطالبة بإقامة مجلس تشريعي منتخب في البحرين. بيد أن تكرار هذه المطالبات لم يسفر عن أحداث أية تغييرات في وجه الحياة النيابية في البحرين؛ حيث لم يتم إقامة مجلس تشريعي (أو حتى مجلس شورى) حتى إعلان استقلال البحرين في عام 1971م.

ثانياً: الحياة النيابية في مرحلة ما بعد الاستقلال:

يُعد المتابعون للشأن السياسي في البحرين استقلالها عن بريطانيا في عام 1971م بمثابة حجر الأساس في عملية التطور السياسي والإداري التي شهدتها البحرين في العصر الحديث، والتي ارتكزت على وجود دستور حديث يحدد الأسس والمبادئ التي تعتمدها الدولة في مسيرتها الحضارية.

وقد طالت عملية التطور السياسي والإداري في البحرين الحياة النيابية ومشاركة المواطنين في إدارة شؤون الحكم؛ إذ شهدت البحرين بعد إعلان استقلالها عن بريطانيا في عام 1971م تجربتين نيابيتين: بدأت أولاهما عقب إعلان استقلال البحرين واستمرت حتى وفاة أمير البلاد الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة (رحمه الله) في عام 1999م، بينما بدأت ثانيتهما عقب تولي الملك/ حمد بن عيسى آل خليفة مقاليد الحكم في البلاد خلفاً لوالده عام 1999م وما زالت مستمرة حتى وقتنا الحاضر. وهو ما نعرض له بالتفصيل على النحو التالي:

1. التجربة النيابية الأولى (1973-1999):

أعقب إعلان استقلال البحرين عن بريطانيا، ظهرت محاولات من جانب إيران لفرض سيادتها على الدولة الجديدة، الأمر الذي دعا إلى إجراء استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة في عام 1970م، حيث صوت المواطنون البحرينيون لصالح بقاء البحرين مستقلة عن إيران تحت قيادة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة (رحمه الله)، على أن تكون الديمقراطية هي وسيلة الحكم في الدولة. كما انضمت البحرين -في منتصف عام 1971م- إلى ما كان يُطلق عليه “الاتحاد التساعي”، والذي كان يضم -إلى جانبها- قطر والإمارات العربية السبع (أبوظبي –دبي- الشارقة- عجمان- أم القيوين- الفجيرة- رأس الخيمة). غير أن هذا الاتحاد لم يكتب له النجاح؛ مما دعا البحرين إلى أن تعلن بقاءها كدولة مستقلة في 15 أغسطس 1971، وتم مبايعة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة (رحمه الله) أميراً لها.

وقد أرسيت قواعد الحياة النيابية في الدولة الجديدة بإعلان أمير البحرين –آنذاك- الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة (رحمه الله) في 16 ديسمبر 1971م عن تكليف مجلس الوزراء بوضع “مشروع دستور حديث متطور للبلاد” يكفل تطبيق المبادئ الديمقراطية السليمة. حيث تم تكليف لجنة وزارية تحضيرية مكونة من (أربعة) وزراء بإعداد مسودة الدستور الجديد.

وبعد أن انتهت اللجنة الوزارية من إعداد مسودة الدستور، أوصت بأن تعرض المسودة على مجلس تأسيسي لمناقشتها وإقرارها، وذلك بعد انتهاء مجلس الوزراء من دارستها. ومن ثم فقد صدر المرسوم بقانون رقم (12) لسنة 1972م، والذي نص على إنشاء مجلس تأسيسي تكون مهمته وضع مشروع دستور للبلاد، وذلك من منطلق الرغبة في إرساء الحكم في البلاد على أسس قويمة من الديمقراطية والعدل، وإقامة نظام دستوري برلماني يوطد حكم الشورى ويتفق مع ظروف البلاد وتراثها العربي والإسلامي.

وقد تألف المجلس التأسيسي من ثلاثين عضواً، بحيث تم انتخاب اثنين وعشرين عضواً منهم عن طريق الانتخاب العام السري المباشر من قبل أفراد الشعب (حوالي 22 ألف ناخب)، بينما قام أمير البلاد بتعيين ثمانية أعضاء، وذلك إضافة إلى أعضاء مجلس الوزراء (وعددهم 12 وزيراً)، والذين انضموا إلى عضوية المجلس بحكم مناصبهم.

وبعد أن انتهت عملية تشكيل المجلس التأسيسي، قام المجلس بمناقشة مشروع الدستور الذي قدمته الحكومة إليه، حيث أقره بصفة نهائية في جلسته الختامية التي عقدها في 9 يونيو 1973م، ورفعه إلى أمير البلاد الذي صادق عليه وأصدره في يوم (6) ديسمبر 1973م.

وقد تمثلت أولى ثمرات هذا الدستور في إنشاء مجلس وطني منتخب لاستكمال المسيرة الديمقراطية في البلاد. إذ أصدر أمير البلاد –آنذاك- الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة (رحمه الله) مرسوماً في (11) يوليو 1973م تضمن النص على إنشاء مجلس وطني يؤلف من ثلاثين عضواً يتم انتخابهم بواسطة الشعب عن طريق الانتخاب العام السري المباشر، على أن يكون الوزراء أعضاء فيه بحكم مناصبهم.

وقد أُجريت عملية انتخاب أعضاء المجلس الوطني (الثلاثين) في يوم (7) ديسمبر عام 1973م، والتي تنافس فيها (114) مرشحاً يمثلون كافة فئات واتجاهات شعب البحرين. كما شهدت العملية الانتخابية إقبالاً كبيراً من جانب الناخبين الذين بلغ عددهم حوالي (27) ألف ناخب.

وقد عقد المجلس الوطني أولى جلساته يوم (16) من ديسمبر عام 1973م، وقد اعتبر هذا التاريخ هو البداية التاريخية لبدء التجربة النيابية في دولة البحرين.

غير أن هذه التجربة النيابية لم تستمر إلا لمدة عامين (فصلين تشريعيين) فقط، حيث أصدر أمير البلاد مرسوماً أميرياً رقم (13) لعام 1975م في (26) أغسطس عام 1975م، متضمناً الأمر بحل المجلس الوطني، وقد تم ذلك عقب تقدم رئيس الوزراء باستقالة الوزارة إلى أمير البلاد في (24) أغسطس عام 1975م، معللاً ذلك بأن الوزارة لم تجد في المجلس الوطني عوناً لها في استكمال التشريعات الضرورية اللازمة لمرحلة الاستقلال.

ويرجع المحللون السياسيون أسباب قصر عمر المجلس الوطني إلى عدة أسباب، نجملها فيما يلي:

– افتقاد مناقشات الأعضاء إلى الموضوعية، ذلك أنها قد انصبت على طرح أفكار غريبة على المجتمع البحريني والقيم السائدة فيه.

– سيطرة حالة من الأخذ والرد والشد والجذب على مناقشات أعضاء المجلس، حتى أنها قد اتجهت إلى الإثارة والتحريض والمزايدة، وعملت على بث الفرقة وروح الكراهية بين أبناء الوطن في الوقت الذي كانت فيه البلاد -حكومة وشعباً- في أشد الحاجة إلى التماسك والتكاتف.

– نشوب الخلافات بين الحكومة وبعض أعضاء المجلس، بل أنها قد تفاقمت حتى وصل الأمر إلى أن يقف بعض أعضاء المجلس ضد أي اقتراحات تقدمها الحكومة، وذلك اعتقاداً منهم بأن أساس الديمقراطية هو الاختلاف الدائم مع الحكومة.

وقد أدى هذا الوضع إلى تخوف النظام من نشأة ظروف تهدد استقرار الوضع السياسي وتعرقل عمل مؤسسات الدولة وتهدد الوحدة الوطنية، مما قد يترتب عليه تعريض البلاد إلى فتنة داخلية ربما تتطور إلى حرب أهلية شبيهة بتلك التي اندلعت في لبنان في ذاك الوقت.

وهكذا توقفت الحياة النيابية في البحرين (من خلال تعطيل أحكام الفصل الثاني من الباب الرابع من الدستور المتعلق بالسلطة التشريعية)، إلا أن المطالبات الشعبية بعودة الحياة النيابية وإقامة نظام حكم يتأسس على الديمقراطية والمشاركة الشعبية لم تتوقف. وقد اتخذت هذه المطالبات -في البداية- شكل عرائض ترفع إلى الأمير، والتي كان أبرزها “عريضة النخبة” وهي عريضة رفعها نخبة من المثقفين، ثم “العريضة الشعبية” وهي عريضة وقعها عدد كبير من المواطنين.

وفي سبيل الاستجابة إلى هذه المطالبات الشعبية، صدر الأمر الأميري رقم (9) لسنة 1992م في يوم (20) ديسمبر 1992م، والذي قضى بإنشاء مجلس شورى “معين”، على أن يؤلف من ثلاثين عضواً من ذوي المكانة ومن أهل الرأي والمشورة، يتم تعيينهم بأمر أميري لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد.

ولقد أدخلت عدة تعديلات على نظام مجلس الشورى في عام 1996م بهدف تطويره سواء من ناحية عدد أعضائه أو من ناحية الاختصاصات الممنوحة له، صدر أمر أميري رقم (12) لسنة 1996م، والذي نص على زيادة اختصاصات المجلس وزيادة عدد أعضائه إلى أربعين عضواً، وذلك بهدف ضمان التمثيل الأشمل للمجتمع في المجلس وعملاً على توافر عدد أكبر من الأعضاء من ذوي الخبرات والكفاءات والاختصاصات التي تخدم متطلبات التنمية الوطنية.​

شكراً على آرائكم