نظام انتخاب الرئيس في الولايات المتحدة الامريكية

ديسمبر 30, 2012

نظام انتخاب الرئيس في الولايات المتحدة الامريكية

مقدمة:
شهدت الولايات المتحدة الأمريكية -في السادس من نوفمبر الماضي- عملية انتخاب الرئيس رقم (45) في تاريخها، ضمن تظاهرة ديمقراطية ترقب مجرياتها العالم أجمع وليس فقط الشعب الأمريكي.

وتتم عملية انتخاب الرئيس الأمريكي من خلال عدة مراحل لا يعرفها الكثيرون ضمن نظام انتخابي يعد فريدا من نوعه، بل ومن أعقد النظم الانتخابية في العالم رغم سهولته الظاهرية.

ومن منطلق حرصنا على نشر الثقافة السياسية في مجتمعنا الإماراتي، فسوف نسلط الضوء على الجوانب المختلفة لهذا النظام الانتخابي الرائد من خلال النقاط التالية:

(1) قواعد انتخاب الرئيس في الولايات المتحدة الأمريكية:

يشترط فيمن يترشح لمنصب رئيس الولايات المتحدة أن يكون من مواليد الولايات المتحدة الأمريكية، وأن لا يقل عمره عن 35 عاماً، وأن يكون مقيما في الولايات المتحدة الأمريكية لمدة 14 سنة على الأقل.

كما يشترط توافر نفس الشروط فيمن يترشح لمنصب نائب الرئيس، إضافة إلى شرط عدم جواز أن يكون نائب الرئيس من نفس الولاية التي ينتمي إليها الرئيس وذلك بموجب التعديل الثاني عشر للدستور الأميركي.

ويتم انتخاب الرئيس الأمريكي ونائبه كل أربع سنوات. وخلافا لما يعتقده الكثيرون فإن الناخبين الأمريكيين لا يقومون بانتخاب رئيسهم مباشرة، بل يتم حسم الانتخابات عن طريق للهيئات الانتخابية أو المجمع الانتخابي (Electoral College) التي تتكون من 538 مندوباً. وهذا العدد يوازي عدد أعضاء الكونغرس الأمريكي بمجلسيه النواب والشيوخ، علاوة على ثلاثة أعضاء من مقاطعة كولومبيا التي يوجد بها العاصمة واشنطن على الرغم من أنها لا تملك أى تمثيل انتخابي فى الكونجرس. حيث يكون لكل ولاية أمريكية داخل هذا المجمع الانتخابي عدد معين من الأصوات بحسب عدد سكانها وعدد النواب الذين يمثلونها في الكونجرس.

فعلى سبيل المثال: يكون لولاية كاليفورنيا –وهي أكبر الولايات الأمريكية من حيث عدد السكان- 55 مندوبا في المجمع، في حين يكون لولاية فلوريدا 27 مندوبا، بينما يكون لولاية كارولينا الشمالية ثلاثة مندوبين فقط. ويحتاج الفائز بمنصب الرئيس من بين المرشحين إلى الحصول على 270 صوتا على الأقل من مجموع أصوات أعضاء الهيئات الانتخابية (أو المجمع الانتخابي).

وتجرى الانتخاب وفقاً لقاعدة أن الولاية تعتبر دائرة انتخابية واحدة، بحيث أن المرشح الذي يحصل على أغلبية أصوات الناخبين في إحدى الولايات يحصل على جميع أصوات أعضاء المجمع الانتخابي الممثلين لهذه الولاية بغض النظر عن نسبة الأصوات الشعبية التي حصل عليها في تلك الولاية، فعلى سبيل المثال: إذا حصل أحد المرشحين على أغلبية بسيطة في ولاية كاليفورنيا، فإنه يفوز بجميع أصوات المجمع الانتخابي للولاية البالغ عددها 55. وذلك باستثناء ولايتي نبراسكا وماين، اللتين تطبقان نظاما نسبيا. بحيث يحصل كل مرشح على عدد من أصوات أعضاء المجمع الانتخابي يتناسب مع عدد ما حصل عليه من أصوات الناخبين.

وتجدر الإشارة إلى أنه يتمتع بحق الانتخاب كل مواطن أمريكي بلغ سن الثامنة عشرة، شريطة أن يستوفي شروط الإقامة المفروضة في الولاية التي يتبعها والتي تختلف من ولاية إلى أخرى، وأن يلتزم بالمواعيد النهائية المحددة لتسجيل الناخبين.

(2) كيفية تشكيل الهيئة الانتخابية (المجمع الانتخابي):

الهيئة الانتخابية هي تقليد دستوري أمريكي يعود للقرن الثامن عشر. ويقصد بها مجموعة المواطنين الذين تعينهم الولايات للإدلاء بأصواتهم لانتخاب الرئيس ونائبه نيابة عن جميع المواطنين في الولاية. لذلك فإن الهيئة الانتخابية تمثل نموذجا لإجراء انتخابات غير مباشرة، وذلك خلافا للانتخابات المباشرة التي تتم من قبل مواطني الولايات المتحدة الأمريكية لاختيار أعضاء مجلس النواب.

وتختلف عملية اختيار أعضاء الهيئة الانتخابية من ولاية إلى أخرى، ولكن تقوم الأحزاب السياسية عادةً بتسمية أعضاء الهيئة الانتخابية خلال مؤتمرات حزبية أو من خلال التصويت في اللجنة المركزية للحزب.

ويتم تعيين الهيئة الانتخابية من قبل كل ولاية استناداً إلى الدستور الأمريكي والمجلس التشريعي لكل ولاية على حدة. حيث يقوم الناخبون في كل ولاية باختيار أعضاء الهيئة الانتخابية في يوم إجراء الانتخابات العامة. لذلك فإنه -من الناحية الفنية- يكون المجمع الانتخابي -وليس الناخبين- هو من ينتخب الرئيس، وذلك مع ملاحظة أن عمليتي التصويت مرتبطتين بشكل وثيق.

(3) إدارة عملية انتخاب الرئيس في الولايات المتحدة الأمريكية:

تتولى كل ولاية أمريكية –بنفسها- مسؤولية تنظيم وإدارة عملية انتخاب الرئيس. حيث تقوم كل ولاية بتعيين مدير انتخابات تناط به مهمة فرز أصوات الناخبين. أما مهمة تنظيم الانتخابات فإنها تناط بالدوائر الانتخابية في كل ولاية، حيث تضع هذه الدوائر ضوابط الاقتراع وتحدد أوقات فتح مراكز التصويت وإقفالها، كما تحدد طريقة التصويت: إلكتروني أو تقليدي (يدوي).

أما من الناحية المالية، فإن هذه الانتخابات تكلف بعض الدوائر الانتخابية ملايين الدولارات، حيث تتحمل الولايات عبء تمويل الانتخابات، ولا تحصل إلا على دعم ضئيل من الحكومة المركزية.

(4) مراحل انتخاب الرئيس في الولايات المتحدة الأمريكية:

يتم انتخاب الرئيس في الولايات المتحدة الأمريكية عبر عدة مراحل، تبدأ بانتخابات التصفيات داخل الأحزاب السياسية وتنتهي بمرحلة انتخابات الهيئة الانتخابية. وذلك على النحو التالي:

المرحلة الأولى: وفيها يشكل الراغبون في الترشح لجنة استكشافية (أو لجنة استطلاع) لحشد التأييد لأنفسهم بين أنصارهم في الحزب، ويحصلون على ضمانات من المانحين بتقديم إسهامات مالية لحملاتهم الانتخابية. وإذا اعتقدوا أنهم يتمتعون بتأييد يكفي لخوضهم الانتخابات يخطرون السلطات الفيدرالية باعتزامهم ترشيح أنفسهم، لتأتي بعد ذلك عمليات جمع الأموال وخوض سباق الانتخابات الحزبية.

المرحلة الثانية: وفيها يتم اختيار مرشح الحزب الذي سيخوض الانتخابات الرئاسية أمام مرشحي الأحزاب المنافسة. حيث يتعين على الناخبين المؤيدين لأحد الأحزاب السياسية أن يختاروا مرشح الحزب من بين عدد من مرشحي هذا الحزب.

وتبدأ الانتخابات التمهيدية (التصفية) في الولايات الأمريكية في شهر يناير من عام الانتخابات، حيث يخوض المرشحون منافسة ضد زملائهم من أعضاء نفس الحزب للفوز بترشيح الحزب لخوض الانتخابات الرئاسية.

ويقوم أعضاء وفود الحزب القادمة من الولايات المختلفة والمشاركة في المؤتمر القومي للحزب الذي يعقد عادة في الصيف باختيار المرشح النهائي للانتخابات. وفي انتخابات التصفيات يختار الناخبون أعضاء هذه الوفود الذين يعلنون غالباً تأييدهم لمرشح معين، ويحتاج المتنافسون على ترشيح الحزب إلى أغلبية من هؤلاء الأعضاء في مؤتمر الحزب للفوز بالترشيح.

وتستخدم بعض الولايات مثل “ولاية أيوا” نظام المؤتمر الحزبي بدلا من نظام انتخابات التصفيات لاختيار أعضاء الوفد الذي سيمثل الولاية في المؤتمر القومي للحزب. وفي انتخاباتات
التصفيات يختار الناخبون الأعضاء الذين يؤيدونهم أما في ولايات نظام المؤتمر الحزبي فيتم اختيار الأعضاء عبر عدة مراحل.

المرحلة الثالثة: وفيها يتم تنظيم مؤتمرات الأحزاب والتي تعد واحدة من أكثر الأحداث إثارة في السياسة الأمريكية. حيث يصل وفد كل ولاية إلى القاعة التي يعقد فيها المؤتمر القومي للحزب يحمل لافتة عليها اسم مرشح الحزب الذي يتمتع بتأييده. وعادة يكون الحزب قد كون فكرة عن مرشحه لخوض الانتخابات الرئاسية بحلول هذه المرحلة. ويقوم وفد كل ولاية باختيار مرشحه لخوض الانتخابات الرئاسية رسميا.

ويفوز بترشيح الحزب المرشح الذي يختاره أكبر عدد من الوفود، كما يحصل على دعم منافسيه داخل الحزب أيضا، ثم يقوم المرشح الفائز باختيار نائبا له يخوض معه حملته الانتخابية.

المرحلة الرابعة: وفيها يكثف المرشحون المتنافسون من الأحزاب السياسية الأمريكية المختلفة تركيزهم على الحملة الانتخابية. وتعاد صياغة سياسات كل مرشح لتأخذ في الاعتبار مطالب أنصار منافسيه السابقين داخل حزبه. وهذه المرحلة من سباق الانتخابات تستغرق وقتا أقصر مما تستغرقه انتخابات التصفيات داخل الأحزاب.

وفي الأسابيع الأخيرة يركز المرشحون اهتمامهم على ما يعرف بالولايات “الغامضة”. ويقصد بها الولايات التي لم يتضح بعد أي مرشحين ستؤيد في الوقت الذي يستعدون فيه لانتخابات الهيئة الانتخابية الحاسمة.

المرحلة الخامسة: ويطلق على هذه المرحلة “الانتخابات العامة”، وتجرى هذه المرحلة –دائما- في أول يوم ثلاثاء يلي أول يوم اثنين في شهر نوفمبر ويُطلق عليه “الثلاثاء الكبير”. حيث يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع لاختيار مرشحهم لرئاسة البلاد. ثم تفرز الأصوات وتعلن النتائج الأولية للانتخابات –عادة- خلال 12 ساعة من إغلاق مراكز الاقتراع.

وبعد فرز الأصوات تنتقل العملية الانتخابية إلى الهيئة الانتخابية. حيث يجتمع أعضاء المجمع الانتخابي للتصويت على اختيار الرئيس ونائبه في أول يوم اثنين في أعقاب ثاني يوم أربعاء في شهر ديسمبر فى سنة الانتخاب. مع ملاحظة أنه ليس هناك ما يلزم أعضاء الهيئة الانتخابية –قانونا- باختيار المرشح الفائز أو الاختيار وفقا لميولهم السياسية. ومن الناحية العملية، لم يحدث أن خالف أعضاء الهيئة الانتخابية اختيار سكان ولاياتهم.

وفي حالة عدم حصول أي من المرشحين للرئاسة على أغلبية أصوات الهيئة الانتخابية (أي 270 صوت)، وأيضا في حالة عدم حصول أي من المرشحين لمنصب الرئيس على أغلبية أصوات الهيئة الانتخابية، يتوجب على مجلس النواب أن يقرر المرشح الفائز، حيث يقوم أعضاء مجلس النواب بالإدلاء بأصواتهم لاختيار المرشح الفائز بمنصب الرئيس، ويكون لكل عضو صوت واحد.

أما في حالة المرشحين لمنصب نائب الرئيس، فيتوجب على مجلس الشيوخ أن يقرر المرشح الفائز، حيث يقوم أعضاء مجلس الشيوخ بالإدلاء بأصواتهم لاختيار المرشح الفائز بمنصب نائب الرئيس، ويكون لكل عضو صوت واحد.

الانتخابات الرئاسية 2012م..

فاز باراك أوباما على منافسه ميت رومني في الانتخابات الرئاسية للولايات المتحدة لعام 2012 بنسبة 51٪ في حين حصل رومني على 48% من الأصوات الشعبية، والتي ترجمت إلى 62 مليون مقابل 59 مليون صوت، وذلك بواقع 332 إلى 206 من أصوات الهيئات الانتخابية.

وبالرغم من الصعوبات التي تواجه الولايات الأمريكية من جانب ركود الاقتصاد المحلي والصعوبات السياسة الخارجية، إلا أن نتائج أوباما في الانتخابات لم تقل كثيرا عن نتائجه عام 2008. مع الاختلاف في عدد النقاط (سبع نقاط) التي فاز به عن مواجته لجون ماكين، وفوز أوباما بكل الولايات في 2008 مع استثناءات من ولاية كارولينا الشمالية وإنديانا.

كما أن فوز أوباما بـ 51 في المئة من الأصوات الشعبية، يصنف أوباما ضمن رؤساء القرن الماضي ( فرانكلين روزفلت ودوايت ايزنهاور، ورونالد ريغان ) الذين فازوا مرتين بأكثر من 50 %. ومن جانب آخر فقد كان رومني أقرب إلى الفوز بإجمالي الأصوات مقارنة بماكين في 2008.

فاز الديمقراطيون أيضا في التصويت الشعبي في سباق لمجلس النواب، بفارق 50،3 حتي 49،7 في المئة، مما يسمح لهم للحفاظ على أغلبية المقاعد 233-194 . أما في مجلس الشيوخ، وبالرغم من أفضلية فوز الجمهوريين إلا أن المرشحين الديمقراطيين حصلوا على أغلبية المقاعد 53-45.

وهكذا فإن النتائج جاءت كانتصار حقيقي للديمقراطية، وإعطاء أوباما تفويض جديد لمتابعة جدول أعماله السياسة الداخلية والخارجية التي لم تكتمل بعد.

شكراً على آرائكم