تطور الحياة النيابية في المملكة المغربية- الجزء الأول

سبتمبر 30, 2014

تطور الحياة النيابية في المملكة المغربية- الجزء الأول

مرت الحياة النيابية في المملكة المغربية بعدة مراحل متميزة، اتسمت كل منها بسمات خاصة ميزتها عن غيرها من المراحل سواء من حيث مظاهرها أو من حيث مدى تطورها. ويمكن تقسيم هذه المراحل إلى ثلاث مراحل أساسية وذلك تبعاً لتطورها التاريخي المرتبط بتطور الحياة السياسية في المملكة المغربية منذ أوائل القرن العشرين حتى الآن، وهي: مرحلة ما قبل فرض الحماية الفرنسية على المملكة المغربية في عام 1912، ثم مرحلة الحماية (1912-1957)، وأخيراً مرحلة ما بعد الاستقلال حتى وقتنا الحاضر. وذلك على النحو التالي:

أولاً: مرحلة ما قبل فرض الحماية الفرنسية..

شهدت المملكة المغربية منذ أوائل القرن العشرين وحتى فرض الحماية الفرنسية عليها في عام 1912م نشأة بعض مظاهر الحياة النيابية في البلاد، وكان أبرز هذه المظاهر تأسيس أول مجلس شبه نيابي في المغرب في عام 1905م، وكان يُطلق عليه (مجلس الأعيان)، وتشكل هذا المجلس من (40) عضواً يعينهم السلطان من بين العلماء والأعيان وشيوخ القبائل والقادة وغيرهم، حرصاً من السلطان على أن يكون هذا المجلس ذا ميول وطنية.

ويرجع سبب إنشاء هذا المجلس إلى رغبة سلطان البلاد –آنذاك- في البت في مشروع الإصلاحات الواسعة الذي قدمه إليه مبعوث فرنسا متضمناً مجموعة الإصلاحات العسكرية والاقتصادية والنقدية التي كانت تريد فرنسا تطبيقها في المغرب، حيث لاقى هذا المشروع معارضة قوية من جانب العلماء، وذلك في الوقت الذي تزايدت فيه الضغوط الأجنبية على السلطان لقبول هذا المشروع.

وبوجه عام، يمكن القول أنه على الرغم من محدودية السلطات التي كانت ممنوحة لمجلس الأعيان وقصر مدته، إلا أن المجلس قد اعتبر تفعيلاً وتطويراً لمبدأ الشورى في المجتمع المغربي، وسبباً في ظهور فكر إصلاحي دستوري في سياق المطالبات الشعبية بإجراء إصلاحات في مناحي الحياة السياسية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية.

وقد تبلور هذا الفكر الإصلاحي الدستوري في ظهور بعض المشاريع الإصلاحية التي تطالب بإجراء عدد من الإصلاحات في البلاد، باعتبارها الوسيلة الناجحة لمواجهة التدخلات الأجنبية في شؤون المغرب وضمان استقلاله. وقد ركزت هذه المطالبات على ضرورة إجراء إصلاحات عسكرية إلى جانب إصلاحات دستورية تتمثل في ضرورة إقامة مؤسسات نيابية تمثل الشعب إلى جانب السلطان، وتنظيم الحكم على أساس دستوري.

وقد تجلت أهم هذه المشاريع الإصلاحية في ظهور مشروع دستور للبلاد في سنة 1908م، والذي اقترحه بعض العلماء بعد عزل السلطان عبد العزيز ومبايعة أخيه السلطان عبد الحفيظ سلطاناً للبلاد وفقاً لعقد بيعة مشروطة (سميت بالبيعة الحفيظية) والتي تضمنت التزامات دستورية هامة اعتبرت بمثابة إحياء لمبدأ الشورى.

وقد اعتبر مشروع هذا الدستور -في جوهره- نوعاً من التحول نحو نظام الملكية الدستورية؛ حيث كان يتكون من (93) مادة تبين سلطات المؤسسة الملكية والحكومة والمؤسسة التشريعية، كما كان لهذا الدستور ملاحق خاصة تتعلق بمشروع النظام الداخلي لمجلس الشورى، وقانون الانتخابات، وقانون العقوبات.

ثانياً: مرحلة الحماية..

فُرضت الحماية الفرنسية على المغرب بموجب معاهدة فاس في 30 مارس 1912م، والتي نصت على التزام فرنسا بإجراء إصلاحات إدارية وقضائية وتعليمية وعسكرية في المغرب. إلا أن معاهدة الحماية لم تتضمن التزام فرنسا بإجراء أية إصلاحات سياسية في البلاد؛ حيث ظلت فكرة الرقابة على المؤسسات الحكومية قائمة من خلال وجود سلطة ثنائية (أو مشتركة) تقوم على مبدأ توزيع السيادة في المغرب إلى نوعين من السيادة: أولهما سيادة خارجية، ويمارسها المقيم العام الفرنسي، والذي كان يشرف على تنفيذ الإصلاحات التي تضمنتها معاهدة الحماية، كما كان له سلطة اقتراح القوانين والتصديق عليها ونشرها، وأيضاً السلطة الدبلوماسية بعد أن أُلغيت وزارة الخارجية. وثانيهما سيادة داخلية، ويمارسها السلطان وحكومته.

ويرجع السبب في عدم تضمين معاهدة الحماية أي التزام على فرنسا بإجراء إصلاحات سياسية إلى أن مفهوم الحماية قام على أساس احترام المؤسسة التقليدية في البلاد أي السلطان، الأمر الذي ترتب عليه استبعاد أي إصلاح سياسي في المغرب من خلال استبعاد مفاهيم الفصل بين السلطات أو إقامة مؤسسات نيابية تمثل الشعب، على اعتبار أن فكرة التمثيل النيابي لا تتفق مع المبادئ التي تعتمد عليها السلطة السياسية والدينية للسلطان.

ونتيجة لاستبعاد مفهوم الحماية لأية إصلاحات سياسية في المغرب، فلم يشهد عهد الحماية إلا قيام “مجلس شورى الحكومة” في عام 1919م. وكان هذا المجلس يتكون من قسمين: أحدهما فرنسي والآخر مغربي. وكانت مهمة المجلس تتلخص في دراسة الشؤون المالية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد، وتقديم تقارير عنها إلى المقيم العام الفرنسي، والذي كان يقوم برفع هذه التقارير إلى وزارة الخارجية الفرنسية للمصادقة عليها قبل أن تُعرض -شكلياً- على السلطان لإقرارها.

وقد شهد عهد الحماية تزايد المطالب المنادية بالديمقراطية، والتي تبنتها كتلة العمل الوطني من خلال إعلانها لبرنامج “مطالب الشعب المغربي” أو برنامج “الإصلاحات المغربية” في عام 1934م، والذي تضمن المطالبة بإقرار الحريات العامة، وتنظيم مجالس نيابية تمثل الشعب المغربي، وتكوين حكومة مغربية، إلا أن سلطات الحماية لم تستجب لهذه المطالب، بل قامت باعتقال أو نفي الزعماء الوطنيين المطالبين بإجراء إصلاحات سياسية في البلاد.

وسنستعرض في العدد المقبل المرحلة الأخيرة وهي مرحلة ما بعد الاستقلال حتى وقتنا الحاضر.​

شكراً على آرائكم